أبي حيان التوحيدي
47
المقابسات
المنطقي السجستاني محمد بن بهرام ، وعرضتها عليه . فنظر فيها أياما ، وتبحرها طويلا ، ثم ردها على وقال : تعبوا وما أغنوا ، ونصبوا وما أجدوا ، وحاموا وما وردوا ، وغنّوا فما أطربوا ، ونسجوا فهلهلوا ، ومشطوا ففلفلوا ، ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع . ظنوا أنه يمكنهم أن يدسوا الفلسفة - التي هي علم النجوم والأفلاك والمقادير والمجسطى وآثار الطبيعة ؛ والموسيقى الذي هو معرفة النغم والايقاعات والنقرات والأوزان ؛ والمنطق الذي هو اعتبار الأقوال بالإضافات والكميات والكيفيات - في الشريعة ، وأن يربطوا الشريعة في الفلسفة ، وهذا مرام دونه حدد « 1 » . وقد تورك على هذا قبل هؤلاء قوم ، كانوا أحدّ أنيابا ، وأحضر أسبابا ، وأعظم أقدارا ، وأرفع أخطارا ، وأوسع قوى ، وأوثق عرى ؛ فلم يتم لهم ما أرادوا ، ولا بلغوا منه ما أمّلوا ، وحصلوا على لوثات قبيحة ، ولطخات واضحة موحشة ، وعواقب مخزية فقال له البخاري ابن العباس : ولم ذلك أيها الشيخ ؟ فقال : إن الشريعة مأخوذة عن اللّه عز وجل بوساطة السفير بينه وبين الخلق ، من طريق الوحي ، وباب المناجاة ، وشهادة الآيات ، وظهور المعجزات . وفي أثنائها ما لا سبيل إلى البحث عنه والغوص فيه . ولا بد من التسليم المدعو إليه ، والمنبّه عليه . وهناك يسقط « لم » ويبطل « كيف » ويزول « هلا » ويذهب « لو » و « ليت » في الريح ؛ لأن هذه المواد عنها محسومة « 2 » . وجملتها مشتملة على الخير ، وتفصيلها موصول على حسن التقبل ، وهي متداولة بين متعلق بظاهر مكشوف ، وصحيح بتأويل معروف ، وناصر باللغة الشائعة ، وحام بالجدل المبين ، وذاب بالعمل الصالح ، وضارب للمثل السائر ، وراجع إلى البرهان الواضح ، ومتفقه في الحلال والحرام ، ومستند إلى الأثر والخبر
--> ( 1 ) حدد : مانع شديد ( 2 ) في الأصل : محسوسة ، وليس هذا مكانها ، وما أثبتناه أليق بالمقام ، وأجمل بالسياق